المقريزي

50

المقفى الكبير

لهم يقال له خيران ، ثمّ إلى خادم يقال له خفيف « 1 » . فأهداه خفيف إلى الإمام المنصور باللّه أبي الطاهر إسماعيل ، فنحله « 2 » ابنه الإمام المعزّ لدين اللّه وهو صغير فربّاه حتّى بلغ مبالغ الرجال في خدمته ، وكنّاه بأبي الحسين ورقّاه في الخدم إلى أن قام في الخلافة بعد أبيه « 3 » . و [ لمّا ] كانت [ سنة ] خمس وأربعين وثلاثمائة ارتفع أمر جوهر ، وصار إلى رتبة الوزارة . ثمّ أخرجه المعزّ في يوم الخميس لتسع خلون من صفر سنة سبع وأربعين [ وثلاثمائة ] على عسكر عظيم بالعدّة والقوّة ليتوجّه به إلى المغرب . وكتب له أن يأخذ من كلّ كورة مرّ عليها عددا معلوما . وكتب إلى جعفر بن علي الأندلسي وزيري بن مناد الصنهاجيّ ويعلى بن محمّد الزناتيّ أن يخرجوا معه بعساكرهم . فخرجوا معه حتّى وصلوا إلى تاهرت فتلقّاه يعلى بن محمّد الزناتي وكان صاحب المغرب ، وأكرمه وقام له بالوظائف والعلف أيّاما ، غير أنّ أهل مدينة إفكان كانوا إذا باعوا أهل عسكر جوهر شتموهم واستخفّوا بهم ، ومع ذلك فكان يعلى لم يسارع بالمسير مع جوهر . فلمّا رحل جوهر بعساكره من عند يعلى ، مشى يعلى ليشيّعه . فسار جوهر ، وأخذ العسكر في رفع أثقالهم إذ سمع صياحا عظيما . فقال : ما هذا ؟ فقيل له : أصحاب يعلى قد ضربوا على ساقة العسكر وقد شغبوا . فقال يعلى : أنا أمضي لأفرّقهم . فمنعه جوهر من المضيّ وزاد الصياح . فأمر جوهر بيعلى فأرجل عن فرسه وأركب على بغلة . ثمّ زاد الأمر فأمر جوهر بيعلى فأنزل عن البغلة ومشى بين يديه راجلا ، فاشتدّ الأمر ونهبت الزوامل « 4 » فأتى أبو طاعة بن يصل الكتاميّ إلى جوهر ، وقال : « السيف يعمل في عسكرنا وهذا حيّ » ! فجرّد سيفه فضرب يعلى [ ف ] أطار رأسه ورفعها على قناة وحملها إلى موضع القتال . فلمّا رآها أصحابه انهزموا فمال عليهم العسكر حتّى بلغوا بهم إلى إفكان ، والسيف يعمل فيهم فدخلوا إفكان بالسيف ، فقتل أكثر أهلها ونهب كلّ ما فيها ، وأسر يدو بن يعلى ، ثمّ هدمت إفكان ، وحرّقت بالنار ، وذلك كلّه يوم الاثنين « 5 » الثاني من جمادى الأولى [ 347 ] . ورحل جوهر حتّى [ 358 ب ] انتهى إلى فاس وبها أحمد بن بكير ، فامتنع من جوهر وقاتلة مدّة ، فلم يقدر عليه جوهر ورحل عن فاس إلى سجلماسة . فلمّا قرب منها فرّ عنه محمّد بن الفتح الملقّب بالشاكر للّه أمير المؤمنين ، وكان قد تغلّب عليها ستّ عشرة سنة . ثمّ أخذ أسيرا وحمل إلى جوهر في يوم الأربعاء لثمان خلون من رجب [ 347 ] بغير حرب . فمضى جوهر إلى البحر المحيط ، وأمر أن يصطاد له من حيتانه ، وجعلها

--> ( 1 ) خفيف الخادم ، « خفيف الصقلبيّ صاحب الستر » ( اتعاظ 140 ) ، و « خفيف الشمّاس » ( ابن سعيد : النجوم الزاهرة 41 ) ، وقد عاش على الأقلّ حتى سنة 358 إذ كلّفه المعزّ بجمع المال من كتامة استعدادا للحملة المصريّة ( اتّعاظ 140 ) . ( 2 ) نحله : أعطاه وخصّه به . ( 3 ) النصّ مضطرب ، ولا يمكن أن يربّي المعزّ جوهرا وهو يصغره بخمس سنوات أو سبع ( فقد ولد المعزّ سنة 317 أو 319 ) . ولعلّ النقل مبتور ، إذا ما قارنّاه بنصّ الداعي إدريس ، عيون الأخبار 604 : « وحمله خفيف إلى المنصور فعلا ذكره معه وسايره في غزواته ، وكان كاتبه وكاتب المعزّ . . . » ، ولعلّ الترجمة منقولة عن تاريخ القاضي القضاعي الموسوم ب « أخبار الخلائف » . ( 4 ) الزاملة هي الناقة أو كلّ دابّة يحمل عليها . ( 5 ) أسماء الأيّام لا توافق تواريخها من سنة 347 ، بل توافق سنة 348 ، ولكنّنا نأخذ بتاريخ 347 الذي ذكره ابن عذاري 1 / 222 ، وكذلك ابن خلدون 4 / 46 .